سيد محمد طنطاوي

64

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هذه بعض جرائمهم فما ذا كانت نتيجتها ؟ كانت نتيجتها العذاب الأليم الذي أخبرهم اللَّه به في قوله * ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * . والجملة الكريمة خبر إن ، وجاز دخول الفاء على خبرها لتضمن اسمها وهو * ( الَّذِينَ ) * معنى الشرط في العموم . وحقيقة التبشير : الإخبار بما يظهر سرور المخبر - بفتح الباء - على بشرة وجهه ، وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته على سبيل التهكم بهم ، وذلك لأن هؤلاء المعتدين مع أنهم كفروا بآيات اللَّه وقتلوا أنبياءه وأولياءه ، وفعلوا ما فعلوا من منكرات ، مع كل ذلك زعموا أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه ، فساق لهم القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء بعقولهم أن بشارتهم التي يرتقبونها بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هي : العذاب الأليم . واستعمال اللفظ في ضده عند علماء البيان من باب الاستعارة التهكمية ، لأن تشبيه الشيء بضده لا يروج في عقل العقلاء إلا على معنى التهكم والاستهزاء . ثم أخبر - سبحانه - بفساد أعمالهم في الدنيا والآخرة فقال : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ) * . والحبوط - كما يقول الراغب - من الحبط ، وهو أن تكثر الدابة الأكل حتى تنتفخ بطنها ، وقد يؤدى إلى موتها . والمراد بحبوط أعمالهم إزالة آثارها النافعة من ثواب في الآخرة وحياة طيبة في الدنيا ، لأنهم عملوا ما عملوا وهم لا يرجون اللَّه وقارا . وجئ باسم الإشارة في صدر الآية ، لتمييز أصحاب تلك الأفعال القبيحة أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة . وكانت الإشارة للبعيد ، للإيذان ببعدهم عن الطريق القويم ، والخلق المستقيم ، وقوله * ( أُولئِكَ ) * مبتدأ والموصول وصلته خبره . أي : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، وسقطت عن حيز الاعتبار ، وخلت عن الثمرة التي كانوا يؤملونها من ورائها ، بسبب إشراكهم باللَّه واعتدائهم على حرماته . وقوله * ( وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) * نفى لكل ما كانوا يتوهمونه من أسباب النصر ، وقد أكد هذا النفي بمن الزائدة . أي ليس لهم من أحد ينصرهم من بأس اللَّه وعقابه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، لأنهم